في هذا اليوم من كل عام أكون في قمة التفاؤل والأمل والإشراق .. ربما لأن هذا هو اليوم المشرق الوحيد في ظلمة الليل السياسي الذي كنا نحياه .. ولكن للأسف لا أدري لماذا لا أشعر بالشيء ذاته هذا العام رغم أنه من المفترض أن يكون أول عيد للنصر بعد ثورة يناير ودون أن نحتفل في ظل وجود قائد الضربة الجوية الذي استطاب لنفسه أن يسرق مكان ومكانة من هو أعظم منه.. إنني حقاً أستغرب شعوري هذا لكن هذا الشعور لم ينبع من فراغ ، بل أعتقد أنه شعور ينبعث من منطلق الواقع السياسي المرير (المائع) الذي نحياه في ظل حكم العسكر للبلاد ، ربما لأن هذه هي المرة الأولى من نوعها التي نرى فيها الوجه المظلم من قمر الحياة العسكرية التي كنا نراها آخر ما تبقى من الأصالة المصرية .. لقد أخطأنا حين حصرنا الشجاعة المصرية في جنود المعارك الحربية .. تماماً كما أخطأنا حين حصرنا الأمل في استقرار البلاد في حكم العسكر لها .. وعلينا أن نواجه أخطاءنا بشجاعة لأننا إن لم نواجهها فسنفعل مثلما فعل الجيل السابق حين رأى أخطاءه وأخطاء حكامه ففضل أن يدفن وجهه في الرمال فابتلعته الرمال.
في ذكرى أكتوبر من كل عام أتذكر أسماء كل من ساهم في هذا النصر وعلى رأسهم أبي الروحي محمد أنور السادات والفريق سعد الدين الشاذلي رحمة الله عليهما .. وهذا هو العام الأول الذي أشعر فيه بأن الناس بدأت تعرف قيمة الفريق سعد الدين الشاذلي رحمة الله عليه . ذلك الرجل الذي لم يمهله القدر ليشهد أول فرحة بنصر أكتوبر دون وجود من محى اسمه وصورته من الإعلام .. ربما لم يمهله القدير حتى لا يشعر بما أشعر به أنا .. بأن المجلس العسكري الذي كان في يوم من الأيام قائد معركة النصر هو ذاته من يقود معركة الأسر للثوار الأحرار.
وهنا لابد وأن أطرح سؤالاً على أعضاء المجلس العسكري: أين كنتم حين شوه مبارك صورة أحد رجالكم الذي يتباهى به العالم أجمع؟ أين كنتم حين سحب منه مبارك كل النياشين والأوسمة وأصدر قراراً بإيداعه السجن؟! أين كنتم يا رجال القوات المسلحة؟! أليس هو منكم؟!
نعم هو من القوات المسلحة لكنه ليس منكم .. فمنكم من تحمونه الآن .. منكم من قام بتعيينكم فحفظتم له الجميل وهيأتم له كل ظروف الرفاهية حتى في سجنه – هذا لو صح أن نسميه سجناً- بعد أن هيأ هو على مدار ثلاثين عام لخراب مصر والذهاب بها إلى حيث لا يعلم إلا الله .. سعد الدين ليس منكم يا من لم تصونوا اسمه ولا وقفتم إلى جواره .. سعد الدين ليس منكم حين تركتم إعلام حاكمكم الأعلى يزيف الحقيقة والصور ليضع مكانها من تحمونه الآن .. سعد الدين ليس منكم .. وإذا كنتم تريدون الآن أن تتظاهروا بتكريمه فقد كرمه الله قبلكم ورفع روحه إلى عليين حيث لا نفاق ولا منافقين.
إن ما يحمل لي بعض العزاء هو محبة الناس لسيادة الفريق رغم ما فعله مبارك من طمس لحقيقته وتشويه لصورته وإهدار لكرامته .. إلا أن الحق يعلو ولا يعلى عليه ودولة الباطل ساعة ولكن دولة الحق إلى قيام الساعة .. وإذا كان مبارك قد محى صورته واسمه من الإعلام فإن التاريخ قد خط اسمه بحروف من نور لن تمحوه ظلمة الظالمين ولا ثلة المنتفعين..
لم أشأ أن يكون مقالي بهذه الكآبة في ذكرى يوم عظيم كيوم أكتوبر ، ولكني اعتدت أن أكتب ما أشعر به . إنني ولأول مرة منذ أن وعيت على هذه الدنيا أشعر أن احتفالات أكتوبر هذا العام جاءت وبالاً على مصر والمصريين .. فلأول مرة تتعطل "عجلة العمل" في البلاد بسبب الاستعراضات الجوية العسكرية !! لم أسمع عن أمر كهذا من قبل .. أعلم أن الاستعراضات تقام سنوياً ولكن لم يسبق أن تسببت في شل حركة الطيران المدني ولا في أن تكون موضوع حديث الناس في الشارع المصري .. وهنا أطرح تساؤلاً كأي مواطن مصري: لماذا تستعرض القوات المسلحة طيرانها في سماء المدن المأهولة بالسكان؟ إذا كان الغرض هو مشاركة المصريين لهم هذا الاحتفال فأود أن أبلغهم آسفة أن أياً من المصريين لم يستمتع ولم يشارك الطيران الحربي في احتفالاته .. فلم إذن تتوقف بسببه "عجلة" العمل؟! أليس هذا ما كنتم تروجون ضده فيما يتعلق بالثورة والثوار؟! ألم تكن تهمتنا حين تمسكنا بحقوقنا هو أننا نعطل "عجلة الانتاج" ؟!! فلماذا لا يرى المجلس العسكري "الموقر" أن في استعراضاتهم الجوية تعطيلاً لعجلة العمل وعرقلة لسير الحياة في مصر بشكل عام؟! ربما ينبري البعض ليقول لي أن هدف هذه الاستعراضات هو إرهاب العدو المتربص بمصر والذي ربما يكون الآن أكثر تربصاً في ظل "الانفلات" الأمني الحالي.. أقول له إذا كان هذا حقاً هو الهدف فلماذا لا تقام هذه الاستعراضات في تلك الأرض التي شهدت المعركة الحقيقية وسالت على رمالها دماء شهداء مصر؟ لماذا لا تقام هذه الاستعراضات في سيناء وهي أقرب مكان للعدو المقصود إرهابه؟! أم أن المجلس العسكري قصد من استعراضاته إرهاب الثوار أعداء "الاستقرار"؟! أم أنه قصد إرهاب الشعب حتى لا يتجرأ بالخروج على الحاكم العسكري ويؤدي له فروض الطاعة والولاء؟!! ما هو القصد من وراء تلك الاستعراضات التي تسببت في تعطيل إقلاع طائرة مدنية إلى إحدى الدول العربية ست ساعات كاملة؟! أجيبوني فلربما اختلط علي الأمر أو أسأت الفهم بشكل أو بآخر.. ولكن لماذا أنتظر الرد من أناسٍ لم يسمعوا سوى صدى صوتهم وصوت من يسبح بحمدهم؟!
إن احتفالنا هذا العام بالقوات المسلحة لن يزيد على ما كان في السنوات الماضية .. فليس للقوات المسلحة الفضل في ثورة يناير حتى ندين له بشيء أكثر مما مضى .. ولقد أعلنها المشير بنفسه أنه لم تأته الأوامر بإطلاق النار على المتظاهرين فممن حمانا المشير ومجلسه (الموقر) حتى نوسع نطاق احتفالاتنا هذا العام؟!! لماذا كل هذه الضجة من أجل الاحتفال بذكرى نصر مضى لم يسبق أن احتفلنا به بمثل بهذه الطريقة؟! ولماذا كل هذه الدعايا الإعلامية للاحتفال بذكرى نصر ماضٍ يكلفنا الكثير من الأموال التي من المفترض أن يتم توجيهها لما هو أولى خاصة وأن أبواقكم تنشر هنا وهناك أن مصر على وشك مواجهة كارثة اقتصادية سببها اعتصامات الثوار (المخربين) .. وكيف يطيب لكم الاحتفال بأكتوبر ودماء الشهداء لم تجف بعد في قلوبنا؟!! كيف يطيب لكم ذلك وأهالي الشهداء لم يقتصوا بعد ممن دهسوا زهرة شباب أبناءهم بأقدامهم الغارقة في وحل الفساد والظلم والاستبداد؟!! كيف طاوعتكم قلوبكم يا قساة القلوب؟!!
من جهة أخرى فإن الحاكم حين يحتفل بذكرى نصر بلاده يبتعد عن أي مواجهة عنيفة بينه وبين شعبه إكباراً وإعظاماً وتقديراً لذكرى النصر الذي يحتفل به ، فلماذا قام المجلس العسكري (الموقر) باستخدام كل أنواع القوة والعنف في تفريق المتظاهرين من أمام ماسبيرو وفي فض اعتصام التحرير في شهر أكتوبر؟! أليس التظاهر أمراً مشروعاً؟ أليس الاعتصام حق يكفله القانون ؟! هل صار التحرير ملكاً لقوات حفظ (النجيلة)؟!! أليس هذا هو الميدان الذي قلتم عنه من قبل: عودوا إليه متى شئتم ومتى شعرتم أن صوتكم لا يصل إلى الحاكم وأن مطالبكم لا تتحقق؟!! إننا لم نفعل إلا ما أردتم من قبل ولكننا اكتشفنا أنكم كنتم تقولون هذا لامتصاص قوة الثورة ثم أخذتم في تنفيذ مخطط جهنمي لإضعاف الثورة حتى إجهاضها .. ولكنكم أخطأتم حين ظننتم أننا يمكننا أن نقبل بإجهاض ثورتنا .. لا والله فلن نهدأ ولن نكلّ أو نملّ حتى تحكم الثورةُ البلادَ أو نهلك دونها.
وحين أتحدث عن قمع الثورة لابد وأن أذكر قمع الإعلام الحر المحترم .. لماذا قمتم بمنع افتتاح قنوات جديدة وقمتم بغلق قناة كل ذنبها أنها قدمت الواقع المصري من وجهة نظرها دون فبركة للأحداث أو للصور بزعم أنها لا تحمل التراخيص اللازمة لبقائها! بل وقمتم بتهديد كل القنوات التي تعارض حكم العسكر بشكل أو بآخر ، وبفرض رقيب عسكري على الصحافة ..في الوقت الذي تركتم فيه سفهاء الإعلام يرتعون ويروّجون للشائعات ويخوّنون المواطنين كيفما شاءوا؟! أين روح الثورة منكم؟! بل أين روح أكتوبر يا من تتفاخرون بانتصاركم ؟!! أليس النصر يعني الحرية؟ لماذا تحتفلون بذكرى حرية أرض ووطن في الوقت الذي تحتفلون فيه بقمع حرية المواطن؟!!
لا أدري كيف بدأت مقالي ولا بماذا يتعين علي أن أختم!! فقد قلت كل ما يعتمل في صدري.. ولكني اعتدت دائماً أن أبث التفاؤل في قلبي قبل أن أبثه في قلوب الآخرين .. لن أيأس .. سأظل أذكر أكتوبر كأمجد حرب عسكرية قامت بها قواتنا المسلحة .. لكنني لن أتقهقر في الوقت ذاته عن حربي من أجل وطن حر بلا قيود تعرقل مسيرة التقدم والنجاح والارتقاء بمصر لمستقبل أفضل .. سأجعل من كل أغنية وطنية أستمع إليها اليوم حافزاً يدفعني إلى الأمام .. سأجعل من كل مشهد لدماء شهيد سالت على أرض سيناء المباركة وقوداً لمعركة الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ..سأستلهم من روح أكتوبر كل معاني التفاني والجسارة التضحية والإخلاص والفداء فإما أن أشارك في تحقيق الحلم المصري وإما أن ألحق بركاب شهداء الوطن.
أميمة الشاذلي
فجر السادس من أكتوبر 2011م
الثامن من شهر ذي القعدة 1432هـ











